القرطبي

251

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

الثانية - قوله تعالى : " ويأخذ الصدقات " هذا نص صريح في أن الله تعالى هو الآخذ لها والمثيب عليها وأن الحق له عز وجل ، والنبي صلى الله عليه وسلم واسطة فإن توفي فعامله هو الواسطة بعده ، والله عز وجل حي لا يموت . وهذا يبين أن قوله سبحانه وتعالى : " خذ من أموالهم صدقة " ليس مقصورا على النبي صلى الله عليه وسلم : روى الترمذي عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله يقبل الصدقة ويأخذها بيمينه فيربيها لاحد كم كما يربي أحد كم مهره حتى أن اللقمة لتصير مثل أحد وتصديق ذلك في كتاب الله " وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات " " ويمحق الله الربا ويربي الصدقات " . قال : هذا حديث حسن صحيح . وفي صحيح مسلم : ( لا يتصدق أحد بتمرة من كسب طيب إلا أخذها الله بيمينه - في رواية - فتربو في كف الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل ) الحديث . وروي ( إن الصدقة لتقع في كف الرحمن قبل أن تقع في كف السائل فيربيها كما يربي أحدكم فلوه ( 1 ) أو فصيله والله يضاعف لمن يشاء ) . قال علماؤنا رحمة الله عليهم في تأويل هذه الأحاديث : إن هذا كناية عن القبول والجزاء عليها ، كما كنى بنفسه الكريمة المقدسة عن المريض تعطفا عليه بقوله : ( يا بن آدم مرضت فلم تعدني ) الحديث . وقد تقدم هذا المعنى في [ البقرة ] . وخص اليمين والكف [ بالذكر ] ( 2 ) إذ كل قابل لشئ إنما يأخذه بكفه وبيمينه أو يوضع له فيه ، فخرج على ما يعرفونه ، والله عز وجل منزه عن الجارحة . وقد جاءت اليمين في كلام العرب بغير معنى الجارحة ، كما قال الشاعر : إذا ما راية رفعت لمجد * تلقاها عرابة باليمين أي هو مؤهل للمجد والشرف ، ولم يرد بها يمين الجارحة ، لان المجد معنى فاليمين التي تتلقى به رايته معنى . وكذلك اليمين في حق الله تعالى . وقد قيل : إن معنى ( تربو في كف الرحمن ) عبارة عن كفة الميزان التي توزن فيها الأعمال ، فيكون من باب حذف المضاف ، كأنه قال . فتربو كفة ميزان الرحمن . وروي عن مالك والثوري وابن المبارك أنهم قالوا في تأويل هذه

--> ( 1 ) الفلو : ولد الفرس . ( 2 ) من ج وه‍ .